محمد بن زكريا الرازي
524
المنصوري في الطب
تلك الحقبة من الزمن استهوته الموسيقى فتعلم الضرب على آلة العود . ووجد في نفسه القدرة على الغناء فغنّى « 4 » . ولما شبّ قليلا عن الطوق وجد في نفسه ميلا لتعلم علم الكيمياء والإكسير بعد أن استهوته التجارب التي شاهدها عند المشتغلين بها . فكرّس أكثر وقته لها وعمل على أن يلمّ بكل دقائقها نظريا وعمليا ، وأخذ يقوم بإجراء التجارب المختلفة التي تحقق غرضه . ولكن الأبخرة المتصاعدة الناتجة عن التفاعلات الكيميائية المتأتية من خلط وتسخين وغلي بعض المواد ، أثّرت على عينيه فرمدت . وقيل إنه ذهب إلى طبيب ليعالجه فطلب منه مبلغا كبيرا . وهذا ما دفعه إلى التفكير بتعلّم صنعة الطب « 5 » . ومن يومه أخذ يقرأ كتب الأولين فيما يختص بهذه الصنعة . ويتصل بأطباء عصره في مدينته ( الري ) لينهل من معينهم « 6 » . في ذلك الوقت كانت مدينة بغداد تعيش في عصرها الذهبي ، وهي كعبة العلم والمعرفة ومطمح كل العلماء والمثقفين . وكان الرازي قد سمع الشيء الكثير عنها . وتاقت نفسه إليها . لذلك عقد العزم لزيارتها بعد أن وجد أن مدينة الري أصبحت لا تتسع لطموحه . وهكذا شدّ الرحال إليها وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره إلّا قليلا . في مدينة بغداد ، وجد الرازي متسعا له . فتفتحت آفاقه ، وتنبّهت أحاسيسه وحواسه . فأخذ ينهل من معين حضارتها ويتزوّد من ثقافتها العربية الأصيلة ويتصل بعلمائها . ووجد في بيمارستانها ما يرضي
--> ( 4 ) أبو بكر الرازي - دكتور فائق فرات . ( 5 ) المصدر السابق نفسه . ( 6 ) ذكر ابن أبي أصيبعة في ج 1 ص 309 من كتابه عيون الأنباء ، عن سبب تعلم الرازي صناعة الطب : أنه دخل البيمارستان ذات يوم فرأى صبيا بوجهين ورأس واحد . فسأل الأطباء عن سبب ذلك فأخبر به فأعجبه ما سمع . ولم يزل يسأل عن شيء بعد شيء ويقال له وهو يعلق بقلبه ، حتى تصدّى لتعلّم صناعة الطب .